سيد محمد طنطاوي
415
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
- تعالى - بل داوموا عليها كل المداومة ، وأنفقوا بسخاء وسماحة نفس مما أعطيناكم من أرزاق كثيرة ، ومن نعم لا تحصى ، وليكن إنفاقكم من قبل أن تنزل بأحدكم أمارات الموت وعلاماته . . . وحينئذ يقول أحدكم يا رب ، هلا أخرت وفاتي إلى وقت قريب من الزمان لكي أتدارك ما فاتنى من تقصير ، ولكي أتصدق بالكثير من مالي ، وأكون من عبادك الصالحين . وقال - سبحانه - مِمَّا رَزَقْناكُمْ فأسند الرزق إليه ، لكي يكون أدعى إلى الامتثال والاستجابة ، لأنه - سبحانه - مع أن الأرزاق جميعها منه ، إلا أنه - فضلا منه وكرما - اكتفى منهم بإنفاق جزء من تلك الأرزاق . وقدم - سبحانه - المفعول وهو « أحدكم » على الفاعل وهو « الموت » ، للاهتمام بالمفعول ، وللإشعار بأن الموت نازل بكل إنسان لا محالة . والتعبير بقوله : * ( لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ . . . ) * يشعر بأن القائل قد قال ذلك زيادة في تأميل الاستجابة ، فكأنه يقول : يا رب ألتمس منك أن تؤخر أجلى إلى وقت قريب لا إلى وقت بعيد لكي أتدارك ما فاتنى في هذا الوقت القريب الذي هو منتهى سؤالي ، وغاية أملى . . وقد بين - سبحانه - بعد ذلك أنه لا تأخير في الأجل متى انتهى لا من قريب ولا من بعيد . . فقال : * ( ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّه نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها . . ) * . أي : ولن يؤخر اللَّه - تعالى - نفسا من النفوس ، متى انتهى أجلها في هذه الحياة ، وانقضى عمرها من هذه الدنيا ، كما قال - سبحانه - : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ . وقوله : * ( واللَّه خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) * أي : واللَّه - تعالى - مطلع اطلاعا تاما على أعمالكم الظاهرة والباطنة ، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب . وبعد فهذا تفسير لسورة « المنافقون » نسأل اللَّه - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده . والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . . القاهرة : صباح الجمعة 13 من شوال سنة 1406 ه 30 / 6 / 1986 م كتبه الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوي